محمد بن جرير الطبري
312
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
إذا عصينكم في المعروف ضربًا غير مبرّح . ( 1 ) * * * قال أبو جعفر : فكلّ هؤلاء الذين ذكرنا قولهم : لم يوجبوا للهجر معنى غير الضرب . ولم يوجبوا هجرًا = إذا كان هيئة من الهيئات التي تكون بها المضروبة عند الضرب ، ( 2 ) مع دلالة الخبر الذي رواه عكرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بضربهن إذا عصين أزواجهن في المعروف ، من غير أمر منه أزواجهن بهجرهن = ( 3 ) لما وصفنا من العلة . قال أبو جعفر : فإن ظنّ ظانٌّ أن الذي قلنا في تأويل الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه عكرمة ، ليس كما قلنا ، وصحّ أن تركَ النبي صلى الله عليه وسلم أمرَ الرجل بهجر زوجته إذا عصته في المعروف وأمره بضربها قبل الهجر ، لو كان دليلا على صحة ما قلنا من أنّ معنى " الهجر " هو ما بيناه = لوجب أن يكون لا معنى لأمر الله زوجَها أن يَعِظها إذا هي نشزت ، إذ كان لا ذِكر للعظة في خبر عكرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم = = ( 4 ) فإن الأمر في ذلك بخلاف ما ظن . وذلك أن قوله صلى الله عليه وسلم : " إذا عصينكم في المعروف " ، دلالة بينة أنه لم يٌبح للرجل ضرب زوجته ، إلا بعد عظتها من نشوزها . وذلك أنه لا تكون لهُ عاصية ، إلا وقد تقدّم منه لها أمرٌ أو عِظَة بالمعروف على ما أمرَ الله به . ( 5 ) * * *
--> ( 1 ) الأثر : 9377 - الخبر الذي رواه عكرمة ، واحتج به الطبري بعد ، خبر مرسل . خرجه السيوطي في الدر المنثور 2 : 155 ، ولم ينسبه لغير ابن جرير . ( 2 ) يعني بقوله : " إذ كان هيئة من الهيئات . . . " ، أن المرأة المضروبة لا تضرب إلا لأنها هجرت فراش زوجها ، فالهجر حالة من حالاتها التي تكون عليها حين تضرب . ( 3 ) السياق : " ولم يوجبوا هجرًا . . . لما وصفنا من العلة " ، وفصل بينهما بالسبب الذي من أجله لم يوجبوا الهجر . ( 4 ) قوله : " فإن الأمر في ذلك . . . " جواب قوله في أول الفقرة السالفة : " فإن ظن ظان " ، وفصلت هذه الثانية فقرة مستقلة ، لأنها كالجواب ، ولئلا تختلط معاني الكلام . ( 5 ) تأويل الطبري في هذا الموضع لمعنى " الهجر " ، وأنه الشد بالهجار ، والاستثياق منهن رباطًا في منازلهن وبيوتهن التي يضطجعن فيها ويضاجعن فيها أزواجهن = تأويل مستغرب جدًا ، شذ به عن كل تأويل تأوله المتقدمون . وقد استدرك عليه العلماء بعده ، فمن أجود من قال في ذلك أبو بكر بن العربي في كتابه أحكام القرآن 1 : 175 قال : " يا لها هفوة من عالم بالقرآن والسنة ! ! وإني لأعجبكم من ذلك : أن الذي جرأه على هذا التأويل ، ولم يرد أن يصرح بأنه أخذه منه ، وهو حديث غريب ، رواه ابن وهب عن مالك : أن أسماء بنت أبي بكر الصديق امرأة الزبير بن العوام . . . " ثم ذكر قصة ضرب الزبير أسماء وضرتها ، وأنه عقد شعر واحدة بالأخرى ، وارتفاع أسماء إلى أبي بكر ، ونصيحة أبي بكر لها أن تصبر ، لأن الزبير رجل صالح ، وعسى أن يكون زوجها في الجنة = ثم قال ابن العربي : " فرأى الربط والعقد مع احتمال اللفظ ، مع فعل الزبير ، فأقدم على هذا التفسير لذلك . وعجبًا له ، مع تبحره في العلوم وفي لغة العرب ، كيف بعد عليه صواب القول ، وحاد عن سداد النظر " ! ! واستخراج أبي بكر ضمير الطبري ، إذ ذكر الخبر الذي جرأه على هذا التفسير ، ليس يعجبني ، ولو كان الطبري أراده لذكره كعادته . ولكني أظن أبا جعفر قد تورط في هذا التأويل ، للعلل التي قدم ذكرها بعد كلامه في تفسير " الهجر " ، وأنه لو كان الكلام " فاهجروهن في المضاجع " ، ولم يقل سبحانه قبله " فعظوهن " ، لما احتاج أبو جعفر إلى هذا التأويل . وإذن فالذي دعاه إلى هذا التأويل هو تتابع الكلامين " فعظوهن " و " اهجروهن في المضاجع " ، ثم إنه أيضًا لم يجد مساغًا للجمع بين معنى " النشوز " ، ومعنى " الهجر " ، كما قلت في ص : 308 تعليق : 4 . ولاستيفاء القول في ذلك مكان غير هذا المكان .